منتديات التربية والتعليم عين آزال


منتديات التربية والتعليم عين آزال

وراء كـلّ أمّــة عظيـمة تربـيّة عظيـمة ووراء كـلّ تربـيّة عظيـمة معلّــم متمـيّز
 
البوابةالرئيسيةالتسجيلدخولتسجيل دخول الأعضاء

شاطر | 
 

 ترجمة السيرة الذاتية والعلمية للمفكر الجزائري الكبير الأستاذ الطيب برغوث حفظه الله تعالى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبوسيف
المدير العام



المدينة : عين آزال
الوظيفة : معلم المدرسة الأساسية
الجنسية : جزائرية
البلد :
رقم العضوية : 01
المهنة :
  :
تاريخ التسجيل : 06/08/2007

مُساهمةموضوع: ترجمة السيرة الذاتية والعلمية للمفكر الجزائري الكبير الأستاذ الطيب برغوث حفظه الله تعالى    الأحد أبريل 13, 2014 5:30 pm





الأستاذ الطيب برغوث من موليد 20 أفريل 1951م بالقطر الجزائري، لأبوين مجاهدين شاركا في أحداث الثورة التحريرية الجزائرية التي راح ضحيتها مليون ونصف مليون شهيد. وهو يعتز بكونه ابن مجاهد عريق في الجهاد، التحق بالثورة الجزائرية الكبرى منذ بداياتها المبكرة 1954، وظل وفيا لمعاني الجهاد وثوابته وروحيته حتى اليوم، وهو ما كان له تأثيره الكبير في كل أبنائه وجيله. الأستاذ الطيب متزوج وله ثلاثة أولاد. فقد زوجته في ظروف مأسوية في خضم تداعيات المحنة الوطنية الكبرى، فهو يحتسبها عند الله سبحانه وتعالى.

درس العلوم الشرعية في معهد التعليم الأصلي بباتنة طيلة مرحلتي المتوسط والثانوي، حتى تحصل على شهادة البكلوريا في العلوم الشرعية سنة 1395هـ /1975. والتحق بقسم علم الاجتماع بجامعة قسنطينة حتى نال شهادة الليسانس في علم الاجتماع سنة 1393هـ / 1979. واصل دراساته الجامعية العليا في علم الاجتماع الثقافي، بمعهد علم الاجتماع بجامعة الجزائر، حيث نال المرحلة الأولى من الدراسة بأطروحة أولية عن: ((نظرية مالك بن نبي في الثقافة)) سنة 1401هـ / 1981م. اشتغل بعد تخرجه من الجامعة سنة 1979 في حقل الإعلام الإسلامي التابع لوزارة الشئون الدينية الجزائرية حتى سنة 1407هـ / 1987، حيث أشرف على مجلة الرسالة، وكان عضوا في هيئة تحرير جريدة العصر ومجلة الأصالة. بدأ الكتابة الصحفية منذ أن كان طالبا في نهاية مرحلة التعليم المتوسط، حيث نشر عدة مقالات في جرائد ومجلات جزائرية مختلفة. وكانت القراءة والكتابة والكتاب والأفكار.. حبه وهمه ومتعته الكبرى منذ صغره، حيث يمضي أكثر من 12 ساعة يوميا في القراءة والكتابة والعمل الفكري والتربوي والدعوي المتواصل، منذ أكثر من 30 عاما. التحق بقسم الدراسات العليا، بمعهد الشريعة وأصول الدين بجامعة الجزائر، وأنجز أطروحة أولية عن: ((التدابير الوقائية من الطلاق في الإسلام)) سنة 1404هـ / 1984م. التحق بهيئة التدريس بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة منذ 1407هـ/ 1987م. وشغل بالجامعة عدة مناصب علمية وإدارية، منها نائب مدير معهد مكلف بالدارسات العليا في معهد الدعوة وأصول الدين، وعضو دائم بمجلسه العلمي، ونائب مدير مركز الأبحاث والدراسات التابع للجامعة. كان عضوا مؤسسا بجمعية أصدقاء جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية. كان عضوا بالمجلس العلمي بمديرية الشئون الدينية بولاية قسنطينة منذ تأسيسه. وهو مؤسسة علمية ثقافية مهمتها الإشراف على التوجيه الفكري والتربوي والثقافي والاجتماعي من منظور شرعي متكامل. درّس بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية: مناهج الدعوة، وتاريخ الدعوة ورجالها، والدعوة في العصر الحديث، وفقه السيرة، ومدخل إلى الإعلام، والفكر الإسلامي المعاصر...

تحصل على شهادة الماجستير في مناهج الدعوة سنة 1412هـ/ 1992م. وأنهى إنجاز شهادة دكتوراه الدولة في نفس التخصص سنة 1417هـ/ 1997 م. وإن لم يناقشها بعد، بسبب الظروف الصعبة التي مر بها في السنوات الأخيرة التي تعرضت فيها الجزائر لمحنة كبرى. انخرط في العمل الدعوي الفكري التربوي منذ وقت مبكر من دراسته الشرعية في المرحلتين الإعدادية والثانوية، وساهم في حركة بناء الصحوة وترشيد مسيرتها على طريق الأصالة والفعالية والتكاملية المطردة. عمل مرشدا دينيا متطوعا منذ أن كان طالبا بالمعهد الإسلامي حتى اليوم. كان له دور فاعل في الحركة الطلابية الإسلامية الجامعية منذ التحاقه بالجامعة سنة 1975 حتى خروجه من الجزائر سنة 1995 ، حيث شارك بفعالية في النشاط الفكري والتربوي والدعوي والاجتماعي للحركة الطلابية الجامعية على النطاق الوطني.

متأثر  بالإمام العلامة عبد الحميد بن باديس، الذي يعتبره من جيل الصحابة  المعاصرين؛ في علمه وروحانيته، ووطنيته ورساليته، وجهاديته النموذجية، وعبقريته الحركية الفذة، وإنجازيته المتميزة، وبالإمام العلامة البشير الإبراهيمي الذي كان قمة شامخة من قمم العلم والفكر والإصلاح والرسالية في هذا العصر بحق. ويرى في التجربة التاريخية لـ "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" نموذجا ناجحا في الوعي والفعل الحركي الفعال، كان على الحركة الإسلامية في الجزائر أن تستثمره وتجدده في إطار استراتيجية التكاملية المتجددة للخبرة الوطنية التأصيلية.

انخرط منذ وقت مبكر من دراسته بالجامعة في حركة البناء الحضاري الإسلامية التي رأى فيها امتدادا تكامليا طبيعيا متجددا لتجربة جمعية العلماء خاصة، ولخبرة الحركة الوطنية الغنية عامة، ولرشد الخبرة الحركية الخصبة للصحوة الإسلامية في العالم بصفة أعم. أسس مع نخبة من إطارات الصحوة في الجزائر " الجمعية الإسلامية للبناء الحضاري " سنة 1410هـ/ 1990 م ، للمساهمة في النهوض بأعباء الدعوة والتربية والإصلاح الفكري والاجتماعي والسياسي.

من خلال تجربته المبكرة في ميدان الدعوة، فإنه يرى بأن الدعوة بمفهومها الثقافي التربوي الاجتماعي الشامل، فريضة شرعية لإحياء الدين في النفوس، وضرورة حيوية للإصلاح الاجتماعي لأوضاع لأمة، وتمكينها من مبارحة مستنقعات الإمعية والغثائية والتبعية، واستعادة دورها في التواصل والتكامل الحضاري الفعال مع الحضارات البشرية الأخرى.

مهتم بنظريات الفعالية الحضارية من منظورها الإسلامي السنني الإنساني الكوني المتكامل . يرى بأنه استطاع أن يستخلص نظرية الإسلام وفلسفته الكلية في حركة التاريخ والحضارة، والتي تتأسس على قانون: "التدافع والتجديد" فالتدافع هو سنة العلاقات البينية بين البشر، والتجديد هو سنة أصالة وفعالية واطرادية هذا التدافع إذا أريد له أن يبلغ غايته من التداول على القيادة الحضارية . ويرى بأن حركة الصيرورة الحضارية للمجتمعات البشرية، تتحكم فيها طبيعة ومستوى الفعالية الاجتماعية للأمة. وأن طبيعة ومستوى هذه الفعالية الاجتماعية، تتحدد بناء على الموقف العقدي والتسخيري الراهن للمجتمع والأمة، من منظومات سنن الابتلاء والتدافع والتداول والتجديد من ناحية، ومنظومات سنن الآفاق والأنفس والهداية والتأييد من ناحية أخرى. وأن ذلك كله مرتبط في الأساس بأصالة وفعالية وتكاملية مناهج التفكير والتربية وفقه الإنجاز والوقاية.

يعيش منذ عام 1995م خارج الجزائر، بعد أن غادرها لتحضير شهادة الدكتوراه، واستمرارا في أداء مهمته في المجال الفكري والتربوي والدعوي وحوار الأديان والثقافات والحضارات. يدير بالخارج جمعية مهتمة برعاية شئون الجالية المسلمة المتكونة من أكثر من ثلاثين جنسية إسلامية مختلفة، ويساهم في حركة تبليغ الإسلام والتعريف به، وحوار غير المسلمين بشأنه وشأن تجربته وخبرته الحضارية الغنية.

امتنع عن المشاركة المباشرة في العمل السياسي الحزبي، داخل الجزائر وخارجها، وتفرغ للعمل الفكري والتربوي والدعوي، اقتناعا منه بأن ذلك هو المجال الأكثر خصوبة بالنسبة لفعاليته وعطائه الاجتماعي الشخصي من جهة، واعتقادا منه بأن ذلك هو الشرط الموضوعي الأكثر أصالة وواقعية وفعالية للإصلاح السياسي والاجتماعي والحضاري من جهة أخرى. حيث يرى بأن التغيير السياسي والاجتماعي والحضاري، الذي لا تحكمه ولا تقوده الفكرة، ولا تتحول فيه الفكرة إلى تربية روحية وسلوكية ومنهجية، ولا يتحول فيه ذلك كله إلى رسالة جماعية مشتركة، ينهض بها الجميع في المجتمع، تغيير سطحي آني لا أفق له ولا قيمة.

يرى بأن عمق الأزمة الوطنية ثقافي تربوي أخلاقي منهجي، قبل أن يكون سياسيا فنيا، أو اجتماعيا اقتصاديا مفتعلا . لأن المجتمع الجزائري غني بتنوعه التكاملي المتماسك، وبثرواته وإمكاناته الحضارية الكبيرة، وبخبرته التاريخية الخصبة، وبفحولة إنسانه الجاهز للمهمات الكبرى. وهو ما يدعونا إلى ضرورة تجاوز أعراض الأزمة إلى عمقها الثقافي التربوي الأخلاقي المنهجي، إذا أريد لهذه الأزمة أن تُستأصَـل من جذورها فعلا، لا أن تستأصل هي المجتمع من جذوره، كما يتجلى ذلك في منطق الاستئصال المقلوب الذي تورطت البلاد في مستنقعه، الذي لن تخرج منه إلا على أرضية استئصال الأزمة من المجتمع، لا استئصال الأزمة للمجتمع، وذلك دون شك أمر يتعلق بفعل ثقافي تربوي أخلاقي منهجي متكامل، يبدو أنه فوق طاقة أو إرادة النخبة أو الطبقة المنتفعة من استراتيجية استئصال الأزمة للمجتمع .

يرى بأن الخروج من الأزمة يحتاج تغييرا في العمق لا في السطح. تغييرا في النفس؛ أي في الفكر والروح والمنهج والسلوك والأداء الاجتماعي.. لا تلوينا ممجوجا في الواجهات، وتبادلا للأدوار على نفس الأرضية الفكرية والأخلاقية والتربوية والمنهجية المهترئة البئيسة . إنه لا بد من التطابق مع قانون التغيير المطرد في التاريخ: ]إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم[ [الرعد: 11]. وإلا فإنه المواجهة مع القانون الآخر: ]ومن يعرض عن ذكر ربه نسلكه عذابا صعدا[ [الجن: 17].

ساهمت كتاباته وأفكاره ومحاضراته ونشاطاته الفكرية والدعوية والأكاديمية في تكوين وعي حضاري لدى نخبة مثقفة ولدى قطاع كبير من حملة الشهادات العليا والمهتمين بإثراء التجربة الإسلامية بالوعي والأفكار الحضارية المتوازنة والمعتدلة. أطروحاته وآرائه تدعو إلى الحوار والإحسان إلى الآخرين ونبذ العنف والابتعاد عن التطرف والتوسط والاعتدال والتوازن في الأقوال والأعمال والمواقف.  



أعمال ومؤلفات

بدأ الأستاذ الطيب برغوث التأليف منذ وقت مبكر في حياته. وكان كثير القراءة والإطلاع شغوفا بالبحث والتأمل والتفكير. وكان يقضي جل وقته إما في القراءة أو الكتابة أو المحاضرة أو النظر والتأمل في مشكلات وقضايا الأمة والفكر الإسلامي. وقد ألف ونشر الكثير من الكتب، كما درج على نشر مقالات ودراسات في موضوعات متنوعة في الكثير من المجلات والجرائد. ورغبة من القائمين على الموقع في إعطاء صورة متكاملة عن شخصية الأستاذ الطيب ومؤلفاته، فإنه من المفيد ذكر مؤلفاته ثم التعريج على الإطار الاجتماعي والسياق الثقافي الذي أحاط بتأليف الأستاذ لبعض مؤلفاته. من أهم مؤلفات الأستاذ الطيب-بالإضافة إلى المقالات والدراسات المنشورة-:



 القدوة الإسلامية في خط الفعالية الحضارية.

 الواقعية الإسلامية في خط الفعالية الحضارية.

 الدعوة الإسلامية والمعادلة الاجتماعية.

  التغيير الإسلامي خصائصه وضوابطه.

 معالم هادية على طريق الدعوة.

 الخطاب الإسلامي المعاصر وموقف المسلمين منه.

 موقع المسألة الثقافية من استراتيجية التجديد الحضاري عند مالك بن نبي.

 المنهج النبوي في حماية الدعوة ومنجزاتها في (جزأين. ماجستير + دكتوراه).

     الأبعاد المنهجية لإشكالية التغيير الحضاري.

  الأبعاد المنهجية للفعل الدعوي في الحركة النبوية.

     مدخل إلى سنن الصيرورة الاستخلافية: قراءة في سنن التغيير الاجتماعي.

 الفعالية الحضارية والثقافة السننية.

 التغيير الحضاري وقانون النموذج.

      مدخل إلى تجربة جماعة البناء الحضاري الإسلامية في الجزائر.

 حركة تجديد الأمة ومشكلات في الوعي والمنهج.

 حركة التجديد على خط الفعالية الاجتماعية.

  مفاصل في الوقاية الاستراتيجية للصحوة.

  التغيير الحضاري وقانون النموذج.

 صفحات من تجربة حركة البناء الحضاري الإسلامية الجزائرية.

 زواج المسلمة بغير المسلم: تكريم أم حرمان.

 مدخل للتعريف بالإسلام.

 العالم: رجل وامرأة وطفل وفكرة.



وعندما نحاول تتبع التطور التاريخي والفكر للأستاذ الطيب نستطيع أن نميز على الأقل مرحلتين بارزتين. الأولى هي مرحلة التأسيس والتنظير لتصوراته حول مسائل البناء الحضاري والتجديد الحضاري للأمة مركزا على العمق الدعوي لحركة التغيير والبناء. والثانية هي مرحلة الإنضاج والتعميق لنظريات البناء والتدافع والتجديد الحضاري مركزا على العمق المنهجي والسُنني والتربوي والثقافي للفعل الحضاري المطلوب لإصلاح الأمة وتجديد الوعي والفكر والسلوك والشخصية والثقافة والأمة والحضارة ومناهج ووسائل الفعل والإنجاز. ونستطيع أن نلمح هاتين المرحلتين في الكلام الآتي الذي نأخذه من أحد مؤلفات الأستاذ الطيب. يقول الأستاذ:    

وقد استهللت هذه السلسلة (مفاتيح الدعوة) بكتاب "القدوة الإسلامية" الذي بنيته على فكرة جوهرية في فلسفة التغيير الحضاري، أردت أن أرسخها في المنظومة الثقافية للحركة الإسلامية، ألا وهي ضرورة الوعي بالدور الحيوي الحاسم للنموذج؛ في أبعاده الفكرية والبشرية والاجتماعية، في حركة التغيير والتجديد الحضاري. فحركة التغيير يكتب لها من النجاح بقدر ما تتمكن من تقديم القدوة النموذجية للآخرين على مستوى التنظير الفكري، ثم على مستوى التمثل الذاتي لذلك التنظير، ثم على مستوى التجسد الاجتماعي فالحضاري للنموذج . ثم أردفته بكتاب "الواقعية في الدعوة إلى الإسلام" الذي بنيته كذلك على فكرة جوهرية في فلسفة التغيير الحضاري، ألا وهي ضرورة الوعي بالدور الحيوي الحاسم للواقعية أو المرونة الحركية المنضبطة في حركة التغيير والتجديد الحضاري. إذ التغيير يكتب له من النجاح بقدر ما تتسم حركة عرض فكرته، وتمثلها السلوكي، وتجسيدها الاجتماعي والحضاري بالواقعية الحركية أو الإنجازية المنضبطة.
تلوته بكتاب "الدعوة الإسلامية والمعادلة الاجتماعية" الذي بنيته بدوره على فكرة جوهرية في فلسفة التغيير الحضاري، ألا وهي ضرورة الوعي بالدور الحيوي الحاسم لمعادلة الواقع الاجتماعي واستيعاب معطياته في حركة التغيير والتجديد الحضاري. باعتبار الواقع الاجتماعي كيان معقد التركيب، ومتشابك التفاعلات، ودائم التحولات، يجب وعي ثوابته ومتغيراته، وإدراك المؤثرات الذاتية والموضوعية المؤثرة في صيروراته الثقافية والاجتماعية والسياسية.. ووضع اليد على مفاتيح شخصيته ضمن كل السياقات التاريخية والآنية والحضارية المحيطة به.

ثم أعقبته بكتاب "التغيير الإسلامي: خصائصه وضوابطه" الذي بنيته كذلك على فكرة جوهرية في فلسفة التغيير الحضاري، ألا وهي ضرورة الوعي بأن الفعل التغييري عملية كلية مركبة، لها "دورة إنجازية" متكاملة، يكتسب الفعل أصالته وفعاليته وقابليته للاطراد، ضمن استيفاء "دورته الإنجازية" لكل أبعادها المطلوبة. وتتضاءل أصالته وفعاليته وقابليته للاطراد، بحسب ضعف استيفاء "دورته الإنجازية" لهذه الأبعاد بشكل متكامل ومتوازن. وجاءت بقية الكتب والمقالات والدراسات.. معمقة لهذه الأصول الحركية أو المنهجية الكبرى، التي تتأسس عليها فلسفة التغيير الحضاري، وترتكز عليها أصالته وفعاليته وقابليته للاطراد، باعتبارها مقومات أساسية للاقتدار على تلبية حاجات حركة الابتلاء والتدافع والتداول والتجديد، ومواجهة تحدياتها المتلاحقة، المهيمنة على الصيرورة الاستخلافية على الدوام.

وللأمانة التاريخية، ألاحظ هنا أن "سلسلة مفاتيح الدعوة" وإن كانت من إنتاجي الخاص، فإنها كانت تعبر في مجمل توجهاتها الفكرية والمنهجية العامة، عن بعض الخطوط العريضة لـ "فلسفة التغيير لدى تيار حركة البناء الحضاري" الذي تشرفت بتبني رؤيته العقدية والفكرية والمنهجية.. في التغيير، منذ أن كنت طالبا في المرحلتين الإعدادية والثانوية من التعليم الشرعي، وعكفت على قراءة مقدمة ابن خلدون، وآثار الإمام عبد الحميد بن باديس، والعلامة البشير الإبراهيمي، ومؤلفات مالك بن نبي، والمودودي، وسيد قطب، ومحمد قطب، وتراث حركة الإخوان المسلمين عامة. فتيار الاتجاه الحضاري الذي عبر عن وجوده الفعلي في "حركة البناء الحضاري" التي ظهرت في الجامعة الجزائرية منذ البدايات الأولى للاستقلال، بفضل النشاط الفكري لمالك بن نبي رحمه الله خاصة، الذي أخذ يستقطب حوله صفوة ممتازة من طلبة الجامعة، التي سرعان ما التأم وجودها في تيار فكري وحركي منسجم، شق طريقه بحكمة وصبر وثبات.. نحو النخبة والمجتمع معا.

هذا التيار الفكري والحركي الذي ظهر في الجامعة الجزائرية، حرص أن يكون امتدادا طبيعيا متجددا للاتجاه الحضاري في الحركة الوطنية الجزائرية عامة، الذي يعود بجذوره الثقافية والسياسية والاجتماعية الحديثة، إلى حركة الأمير عبد القادر الجزائري في القرن التاسع عشر، وحركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وحركة مالك بن نبي الفكرية في القرن العشرين، التي تؤمن بأن التغيير الحضاري حركة شمولية متكاملة، وأن التغيير الثقافي الذي يمس الأبعاد العقدية والفكرية والروحية والمنهجية والسلوكية.. في الإنسان، هو مرتكز كل عملية تغيير وتحول اجتماعي ذي أبعاد حضارية شاملة وممتدة. كما نبه إلى ذلك القرآن الكريم في مثل قوله تعالى: ]إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم[ [الرعد: 11]. لقد حاولت في مجمل كتاباتي أن أكون معبرا مستقلا غير رسمي، عن "اتجاه حركة البناء الحضاري" في الحركة الإسلامية خاصة والحركة الوطنية عامة، وأن أربط ذلك كله بالاتجاه الحضاري في الحركة الإسلامية العالمية، باعتبار النهضة والتجديد والتمكين.. أمرا مرتبطا بالأمة كلها؛ أي بحضارة كاملة، وليس بزعامة، أو جماعة، أو فئة، أو قطر، أو جيل.. كما تعتقد بذلك "حركة البناء الحضاري" التي أتشرف بالتعريف ببعض أطروحاتها الفكرية والمنهجية في فلسفة التغيير والتجديد الحضاري. ونظرا للتحولات الكبيرة والتراكمات الكثيرة، التي حدثت خلال العقود الثلاثة السابقة من مسيرة الحركة الإسلامية، ومست في العمق وعي وأوضاع الحركة والمجتمع والأمة والعالم، فقد رأيت أن أطور هذه السلسة من الدراسات، وأنتقل بها من إطار "سلسلة مفاتيح الدعوة" إلى إطار "سلسلة دراسات في الوعي السنني" لأستجيب لبعض طموحي المعرفي، والتزاماتي الرسالية من جهة، ولأساهم في تأصيل وتفعيل وحماية حركة النهضة والتجديد والتمكين الحضاري، الذي تطمح إليه أمتنا الإسلامية العظيمة من جهة أخرى.

فسلسلة المفاتيح، ولظروف وملابسات واعتبارات تاريخية؛ ثقافية وسياسية واجتماعية.. خاصة وعامة، تمحورت حول بعد أساسي واحد من أبعاد "الدورة الإنجازية" للفعل الحضاري، وهو بعد الدعوة، باعتبارها حركة تعريف بالخيْرية والشرِّية، ومحاولة تأسيس للوعي بسننهما العامة، وشحذ لإرادة الاستجابة لدى الفرد والمجتمع.. ودفع مستمر لهما نحو الاستقامة على منهج الله في الاستخلاف والتمكين.

ولا يخفى أن حركة التغيير في جانب من جوانبها السننية الأساسية العامة، تقوم على ثلاثة أبعاد أساسية متكاملة، هي: الدعـوة والبنـاء والمواجهة؛ حيث بينت الخبرة التاريخية لحركة الاستخلاف البشري، أنه لا يمكن لأية حركة استخلاف أو تغيير حضاري، أن تؤتي ثمارها، وأن تحقق أهدافها في النهضة، أو التجديد، أو التمكين.. ما لم تتكامل في "دورتها الإنجازية" الأبعاد الثلاثة بشكل أصيل وفعال ومطرد، فتدعو إلى الخيرية وتؤسس الوعي بها، وتبني النموذج البشري والاجتماعي والحضاري البديل المعبر عن هذه الخيرية، وتواجه الأخطار والتحديات التي تعترض عملية الدعوة والبناء.. وهكذا دواليك تطرد "الدورة الإنجازية" للفعل التغييري المجدد .

من هذه المنطلقات الفكرية والوظيفية أو الرسالية، ستتحرك "سلسلة دراسات في الوعي السنن" نحو آفاق أوسع وأدق وأشمل رؤية إلى مقتضيات التغيير؛ كمنتوج لحركة الدعوة والبناء والمواجهة بشكل دائم، لتساهم في تعميق الوعي بسنن الدعوة، وسنن البناء، وسنن المواجهة، من منظور منهجي أصولي تكاملي منفتح، لا ينخرط في الجزئية الإجرائية الوظيفية اليومية، إلا بقدر ما يحتاجه تأسيس وبناء الأنساق الكلية لنظريات أو منظومات الدعوة والبناء والمواجهة؛ باعتبارها الأبعاد الغائبة أو المهمشة في ثقافة الصحوة من جهة، والأساس الصلب الذي سيمنح حركة الدعوة والبناء والمواجهة، أصالتها وفعاليتها النموذجية القصوى، في معتركات الابتلاء والتدافع والتداول والتجديد من جهة أخرى. فحركة الصحوة الإسلامية المباركة، تعاني من قصور هيكلي شديد؛ على صعيد الوعي العقدي والتسخيري والاستخلافي، كشفته بوضوح مراحل البناء والمواجهة من "الدورة الإنجازية" لفعل الصحوة، الذي استطاع أن يحقق بعض النجاحات المهمة في مرحلة الدعوة، لكنه لم يوفق في كثير من مبادراته في مرحلتي البناء والمواجهة، اللتين تتطلبان فقها سننيا متكاملا؛ لا أقول مغايرا لفقه مرحلة الدعوة، ولكن أقول بأنه مكمل له من ناحية وخادم له من ناحية أخرى، وبدونه يختل توازن "الدورة الإنجازية" لفعل الصحوة، وتفقد بعضا أو كثيرا من أصالتها وفعاليتها وقابليتها للاطراد والتواصل. فالوعي السنني بما هو استيعاب معرفي ومنهجي وتسخيري أو وظيفي متكامل.. للسنن الإلهية الفاعلة في الصيرورات الحضارية لحركة التاريخ، ظل يعاني في منظومتنا الثقافية من الجزئية والحدية والتنافرية والذاتية والاستئنافية والاستلابية المزدوجة... ولم تتح له بشكل واسع ودائم، إمكانية التكامل والمراجعة والاستدراك والتجدد والتراكم.. الذي يبني ويعمق لدى الصفوة والمجتمع معا.. الإحساس بسلطان السنن الإلهية، وهيمنتها على الحياة البشرية، بلا محاباة لأحد، أو تحيز ضد أحد، فيتعزز الاهتمام بالثقافة السننية؛ بحثا واكتشافا وتوطينا من جهة، كما تتعزز الخبرات التسخيرية أو الاستثمارية بشكل فعال من جهة أخرى.

وبالرغم من أن هذا الوعي السنني المتكامل، هو قمة ومنتهى النضج في الوعي البشري، وأنه لا يدرك إلا بجهد معرفي وتربوي ممتد، وجهاد اجتماعي وحضاري متصل، فإنني أرى - من موقع الخبرة والتجربة - أن هذا الوعي هو أول ما ينبغي أن تؤسس عليه ثقافة الأجيال الإسلامية عامة والرسالية منها خاصة؛ في الأسرة والمدرسة والجمعيات والجماعات وكل المنظمات والمؤسسات التربوية والثقافية والاجتماعية والسياسية في المجتمع.

فقد ثبت لي ولغيري بالتجربة، أن العناية المبكرة بالوعي العقدي الحي، والثقافة الأصولية المتكاملة، والنزعة العملية والجمالية في التربية على سبيل المثال، تنشئ فكرا حيويا متوازنا، تنبثق منه سلوكية روحانية اجتماعية فعالة، قادرة على التفاعل الإيجابي البناء المؤثر فيما حولها. فإذا ما همش هذا المدخل في الإعداد المعرفي والتربوي والسلوكي والخبراتي للأجيال أو أُخِّرَ، اختلت موازين التفكير لديها، واضطربت مناهجه، وانعكس ذلك على الأداء السلوكي والاجتماعي للفرد والمجتمع. كما نرى ذلك بوضوح في ظواهر الازدواجيات المتنافرة، التي تطبع حياة المجتمعات الإسلامية الحديثة؛ في أفرادها وجماعاتها وأنظمتها ومجتمعاتها… وتدفع بحركة الصحوة الحضارية المباركة للأمة، إلى دوامات الإهتلاك الذاتي، الموهن لإرادات النهوض الحضاري وإمكاناته! فالأمة في حاجة ماسة إلى ثقافة سننية متكاملة، تستوعب بشمول وتوازن، كل مراحل الدعوة والبناء والمواجهة في "الدورة الإنجازية" للفعل الاجتماعي والحضاري للصحوة، فذلك وحده هو مدخلها المكين إلى أصالة وفعالية واطرادية حركة الدعوة والبناء والمواجهة، في معتركات الابتلاء والتدافع والتداول والتجديد، التي تتحرك ضمن سننها الماضية في الخلق بلا تغير ولا تبدل ولا تأخر.. كما نبه إلى ذلك القرآن بكل وضوح وحسم، في مثل قوله تعالى: ]سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا[ [الأحزاب: 38]. وقوله سبحانه: ]فهل ينظرون إلا سنت الأولين ولن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا[ [فاطر: 43].    

فالسنن قدر مقدور في حركة الصيرورات الاستخلافية الحضارية للبشر، فلا يغرن أحد بعلمه أو إيمانه أو جهده أو نفوذه، أو جاهه ونسبه الموروث... إذا ما كان قاصرا أو مخالفا لسنن الله في الابتلاء والتدافع والتداول والتجديد من جهة، وسننه في الآفاق والأنفس والهداية والتأييد من جهة أخرى، لأن سلطان السنن الغلاب بإذن الله، سيعري إيمانه المغشوش، ويكشف زيف وعيه وقصور علمه، ويطيح بنفوذه المؤسَّس على غير هدى من منطق هذه السنن، ليذوق وبال زيف وعيه وتقصيره في الأخذ بسنن الله في الاستخلاف والتمكين والتأمين. ومن أجل المساهمة في بناء الوعي السنني لدى أجيال الأمة، ستحاول "سلسلة دراسات في الوعي السنني " المشاركة في وضع بعض اللبنات على هذا الطريق الطويل؛ طريق النهضة والاستخلاف والتمكين الذي لا نهاية له .. من غير أن تدعي احتكار الحقيقة، أو حيازة الحق، أو تتورط في الزهد في رشد الخبرة البشرية التي هي ضالة كل عاقل من بني البشر، ناهيك عن المؤمنين منهم، الذين ]إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا[ [الفرقان: 73] بل يعتبرون الحقيقة والصواب ضالتهم أنا وجدوها أخذوها، ودعوا لأهلها بالهداية ودوام التوفيق وحسن الخاتمة، ليقينهم أن "فوق كل ذي علم عليم" ، وأنه قد "يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر" وهو ما سيضل دأبنا إلى أن نلقى الله تعالى لا مغيرين ولا مبدلين إن شاء الله تعالى. ومن أهم الكتب التي تعبر عن هذه المرحلة الثانية: الفعالية الحضارية والثقافة السُننية، التجديد الحضاري وقانون الواقعية، مدخل إلى سنن الصيرورة الاستخلافية: قراءة في سنن التغيير الاجتماعي، الأبعاد المنهجية للدعوة في الحركة النبوية، التغيير الحضاري وضرورة المنهج...  
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://minbbar.ahlamountada.net
 
ترجمة السيرة الذاتية والعلمية للمفكر الجزائري الكبير الأستاذ الطيب برغوث حفظه الله تعالى
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات التربية والتعليم عين آزال :: قسم الإسلاميات :: منتدى العلماء والشخصيات-
انتقل الى: