منتديات التربية والتعليم عين آزال


منتديات التربية والتعليم عين آزال

وراء كـلّ أمّــة عظيـمة تربـيّة عظيـمة ووراء كـلّ تربـيّة عظيـمة معلّــم متمـيّز
 
البوابةالرئيسيةالتسجيلدخولتسجيل دخول الأعضاء

شاطر | 
 

 لمن لا يعلم.. هذه هي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابن عمر
عضو
عضو


العمر : 50
المدينة : الجزائر
الوظيفة : معلم
  :
تاريخ التسجيل : 21/12/2007

مُساهمةموضوع: لمن لا يعلم.. هذه هي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين   الخميس مايو 26, 2016 7:02 am

ليس سهلا أن تجد نفسك مضطرا لإثبات أن الشمس هي التي تملأ الكون ضياءً ونوراً، وليس مريحا أن تذهب لإثبات الأوليات في حياة الفرد والمجتمع، ولكن ما الحيلة وأنت ترى أن الأمر ضروري خشية أن تتسلل إلى الأذهان مقولاتٌ وروايات تحجب مع الزمن الرؤية فتحمل أولادنا أثقالا وعراقيل؟

جمعية العلماء المسلمين والثورة.. جمعية العلماء المسلمين والاستعمار.. إن العناوين على هذه الشاكلة إنما تشير إلى أن هناك حديثا لابد أن يقال، وبالفعل ما كاد مقالي السابق عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يرى النور حتى غمرتني رسائل القراء الكرام من أساتذة ومهتمين وطلبة تعزز في نفسي روح الصمود وتدعوني إلى المواصلة، وفاجأني أحدهم بأن أرسل لي وثيقة عن لقاءات بين الشيخ ابن باديس وشيخ زاوية مولى القرقور في بلدة "بويَخْفاون" بسطيف العالي الشيخ علي بن محمد بن الطيب.. وفي الوثيقة رسالة بخط الإمام ابن باديس للشيخ علي بن محمد وفيها أيضا ثبوتاتٌ لأقوال الشيخ بن باديس له حيث كان من المقربين للشيخ والمرافقين له في رحلاته في جهات الأوراس. ويروي الشيخ علي بن محمد بن الطيب أن الشيخ بن باديس كان كلما نظر إلى جبال الأوراس وإلى الأرض المترامية يقول: "إن الجزائر لا تحصل على حقها إلا بالدم" كان ذلك قبل نهاية 1929.

وفي آخر عمره المبارك كان يطوف بأماكن عديدة، ويروي أصدقاؤه المقربون أنه زار سطيف وطلب منهم أن يأخذوه لمعاينة القاعدة الاستيطانية العسكرية في عين أرنات، ودعا بعضهم إلى تجميع السلاح.. وقال رحمة الله عليه: لو اجتمع لي عشرة من عقلاء الجزائر فإنني سأعلن الثورة.. سأله أحد المقربين في جلسة خاصة: وإلى متى سننتظر يا شيخ؟ فرد عليه: عندما يحتلّ النازي باريس..

منذ البداية؛ بداية عمله الدؤوب في نشر الوعي والمعرفة وتعليم اللغة وحتى سنة 1940، كانت الطريق واضحة أمامه كما أشار بذلك الشيخ البشير الإبراهيمي في حديثه عن الأشهر الثلاثة التي جمعته مع الشيخ ابن باديس في المدينة المنورة درسا فيها وضع الجزائر كأنها كتاب مفتوح كما يقول، ووضعا لها الخطط والتصوُّرات والاحتمالات للنهوض بالجزائر وطرد الاستعمار وثقافته ووجوده.

ابن باديس الذي يصل به الحد إلى إصدار فتوى لم نسمع مثيلا لها في السابقين ولا اللاحقين بأن المتجنِّس بجنسية فرنسا مرتدّ عن الإسلام ردة لا توبة منها.. ويصل به الموقف إلى القول جازما بأن فرنسا لو طلبت منه قول لا إله إلا الله فإنه لن يقولها.. ابن باديس الذي كان خارجا من المسجد بعد صلاة العشاء فمرّ برجل في حالة سُكر يهتف "تحيا الجزائر" فيقول: والله لولا أنزِلَ فيها نهيٌ لأمرت بشربها.. ابن باديس الذي يشرح ويفسِّر كيف أن الجزائر ليست فرنسا ولن تكون فرنسا، ويدعو الشعب إلى أن يعرف قيمة نفسه ويثب نحو كرامته وحريته، فإما الحياة وإما الممات.

بكل صدق لا أعرف من أين جاءت فِرية الاندماجية وهو الذي صرخ في اليوم الأول: "ومن رام إدماجا له رام المحال من الطلب" يبدو لي أن هناك مشكلة في فهم اللغة العربية. أما عندما ذهب إلى باريس ليلتقي بالفرنسيين حاملا مطالب الجزائريين وهو يعلم يقينا أن الاستعمار الفرنسي لن يقبل من الجزائريين إلا الخضوع وقبول الحال على ما هو عليه، ذهب الشيخ ابن باديس ليقول لدلاديه عندما أشار إلى مدافع فرنسا: "إن لنا في الجزائر مدافعَ أطول" وعندما سأله دلاديه الفرنسي عن ماهيتها؟ قال له إنها مدافع الله.. وبعد أن عاد إلى الجزائر صرخ في الشعب أن هبُّوا لنيل العلا وإن قيمتكم التي تجوهلت من قبل غيركم أنتم الأولى برفع شأنها، وإن عليكم الاتحاد في مواجهة استحقاقات الكفاح الذي ليس عنه بديل لنيل الكرامة والحرية ورفع شان الإسلام في البلاد، فعليك أيها الشعب وثبات وإما الحياة وإما الممات.

على طول ربع قرن، كانت دروس الإمام وشروحه في القرآن الكريم والحديث الشريف وكتب الفقه والتاريخ القديم والحديث بما فيه تاريخ الجزائر وعلماء الجزائر تؤسس لمرحلة كفاح واسعة، وهو يدرك أن ليس المطلوب إبراز بطل، إنما المطلوب صنع جيل، فكان الجيل الجميل الرائع الذي أنتجته جمعية العلماء المسلمين جيلا متميزا لم يجتمع في حيز زماني ومكاني في أي قطر من أقطار العرب والإسلام؛ من فضيل الورتلاني والبشير الإبراهيمي ومحمد عيد آل خليفة والتبسي وبيوض والميلي وتوفيق المدني والقافلة الكريمة... جيل أصبح بلا شك هو الأمين على عهدة العروبة والإسلام في الجزائر وهو القدوة الرائدة لنهضة شعب سرت في دمائه من جديد روحٌ جديدة من الإحساس بضرورة خلع الاستعمار وإلقائه خارج الوطن.

لقد كان ابن باديس ثوريا كاملا، وكان مشروعه ثوريا بإتقان، وإن لم يكن مشروع ابن باديس ثوريا فما معنى الثورة إذن؟ ابن باديس مشروعٌ لتغيير الأفهام والسلوكات والأوضاع والقيم السائدة وإحداث القطيعة النفسية والعملية مع الحالة الاستعمارية على طرفيها القابلية للاستعمار والمعامل الاستعماري جملة وأداته الأساسية الأولى هي الوعي والمعرفة.. فإن لم تكن هذه ثورية فماذا يعني أن يكون الرجل ثوريا؟ هل يعني أن يُلقي خطابا ناريا ويمشي وإذا حان حين الثورة ينقلب عليها؟ أم أن عليه أن يشتم ويسبّ ويعلن تحمّله أعباء أكبر من إمكانياته؟ إن الثوري والثورة هي عملية منهجية تراكمية للقضاء على كل الكيان الاستعماري وأول عناصره هي الثقافة والقيم.. وآخرها الوجود المسلح المستبد.

ابن باديس ثورة على أفهام واعتقادات سائدة في المجتمع، وكان ثورة على الأمِّية والجهل والتوحُّش، وثورة على وضع المرأة المستَلَب فحررها بالعلم، وثورة على بني "وي وي" وسياساتهم العرجاء، وثورة على الأفهام الاستعمارية العنصرية وعلى شروط القابلية للاستعمار، وثورة على القيم الهابطة والسلوكات المنحرفة التي مكَّنت للاستعمار في البلاد.. وكانت كل هذه المفاهيم والممارسات منضبطة في برنامج ثوري تصاعدي بدأ من كلمة السر "اقرأ" إلى إعلان عن مطالب الجزائر كاملة والمتلخِّصة بالحرية والسيادة والاستقلال، لأن الجزائر ليست فرنسا ولن تكون فرنسا..

إن دراسة المشاريع تلتزم السياق العام والأحداث الكبرى ومفاصل الأفكار والمشاهد وتطورها والمعيار فيها.. وتتجنّب الدراسة الموضوعية العلمية السقوط في البحث عن مثالب غير مرئية في سلوكات الناس الشخصية.. من هنا أؤكد مجددا إن ابن باديس اعتبر الجزائر محرابه والإسلام نوره والشعب كل الشعب أهله الأقربين. وكان ذلك مكثفا كما قال: لمن أعيش؟ وأجاب: إنني أعيش للإسلام والجزائر.

أما جمعية العلماء المسلمين بعد وفاته، فلقد تعرضت لهجوم واسع من قبل الإدارة الاستعمارية التي قامت بنفي البعض، وفرض الإقامة الجبرية على البعض الآخر، وأغلقت المدارس، وسجنت الشيوخ والمدرٍّسين، وصادرت الأملاك.. إلا أن الجمعية لم تتوقف واستمرّ نضالُها مع حزب الشعب لتكوين حركة أحباب البيان مواصلة نضالها السياسي والتعليمي والمعرفي حتى كانت في كل ميادينه رائدة مؤثرة بعمق في أجيال الشباب. والملفت أن الجمعية اتخذت عامي 1953 و1954 شاهدين على نشاط دؤوب لشعراء الجمعية وشيوخها في مهرجانات وحشود تهيئة للناس لعمل ثوري يقلع الاستعمار وينهي حقبته السوداء، الأمر الذي دفع بشاعر الجزائر الكبير مفدي زكريا إلى القول في قصيدة مشهورة له عام 1953 "جمعية العلماء المسلمين ومن للمسلمين سواك" معلنا أن الشعب قد ألقى ببيعته في أعناق رجالها..

انطلقت الثورة المجيدة؛ ثورة نوفمبر المباركة، فانخرطت فيها منذ يومها الأول قياداتُ الجمعية من الشيخ العربي التبسي الذي اغتالته أجهزة الأمن الفرنسة في 1955 وعبد الرحمن شيبان وعبد اللطيف سلطاني وتوفيق المدني... كما كانت غالبية الشباب الأوائل المنخرطين في قيادة الثورة ومجاهديها قد تخرّجوا من مدارس الجمعية.. رحم الله ابن باديس والرجال الذين صدقوا معه العهد، ورحم الله شهداء الجزائر وفلسطين وتولانا الله برحمته.


صالح العوض   جريدة الشروق اليومي


" />
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
لمن لا يعلم.. هذه هي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات التربية والتعليم عين آزال :: قسم الإسلاميات :: منتدى الدروس والمحا ضرات-
انتقل الى: